الذهبي

51

الأمصار ذوات الآثار

لأنفسهم صفة النّضارة التي وعدوا بها ، ويخشون من لعنة اللّه ، ومن لجام النار يوم القيامة إن هم كتموا ما أمروا بتبليغه . ومع هذا فلم ينسق العلماء في الرواية ، بل احتاطوا فيها كل حيطة ، خشية من التّقوّل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما لم يقله ، لأنهم يروون عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قوله : « من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار » « 1 » ، وقوله أيضا : « من يقل عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار » « 2 » ، وقوله أيضا : « من حدث عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين » « 3 » . وقد صرح بعض الصحابة بأنهم ما حدثوا حديثا لولا تلك الآيتان اللتان أوعدتا كاتم العلم ، وصرح بعضهم أيضا بأن الذي حملهم على التقليل من الرواية حديث من كذب عليّ . . . وإليك إثبات ذلك : فعن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه قال : « إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة ، ولولا آيتان في كتاب اللّه ما حدثت حديثا ، ثم يتلو : إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى - إلى قوله - الرحيم » « 4 » . وعن عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما أنه قال : « قلت للزبير : إني لا أسمعك تحدث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما يحدث فلان ، وفلان قال : أما إني

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه ، في كتاب العلم ، باب 38 ، حديث 2 - واللفظ له - وحديث 3 ؛ وفي كتاب الجنائز ، باب 34 ، حديث 1 ؛ وفي كتاب الأنبياء ، باب 50 ، حديث 9 ؛ وفي كتاب الأدب ، باب 109 ، حديث 4 ؛ ومسلم في صحيحه ، في المقدمة ، باب 2 ، حديث 2 - 4 ؛ وفي كتاب الزهد ، باب 16 ، حديث 2 . وهذا الحديث متواتر ، وفي بعض روايات البخاري المذكورة زيادة « متعمدا » بعد قوله : « من كذب عليّ » ، كما أنها في جميع روايات مسلم المذكورة مع اختلاف الصيغة في بعض تلك الروايات . ( 2 ) أخرجه البخاري في صحيحه ، في كتاب العلم ، باب 38 ، حديث 4 . ( 3 ) أخرجه الترمذي في جامعه ، في كتاب العلم ، باب 9 ، حديث 1 ؛ وابن ماجة في سننه ، في المقدمة ، باب 5 ، حديث 1 و 2 - واللفظ له فيهما - وحديث 3 و 4 . ( 4 ) أخرجه البخاري في صحيحه ، في كتاب العلم ، باب 42 ، حديث 1 .